أبي حيان التوحيدي
166
المقابسات
حاله قط فيما سلف ، لان الطريق إلى تبيين ذلك وتحصيله مسلوك ، والشاهد على ثمرة المطلوب قائم ، والتقريب يدل على ذلك في هذا الوقت ، وإن كان البرهان في الصناعة موجودا إذا أخذت على ترتيبها الخاص لها في معرفة المنطق ، الذي هو آلة في استقراء الطبيعة ، التي هي مراق ، وفي معرفة النفس التي هي طلبة كل ناظر في علم ومتحقق بنحلة ، كان الانسان لآخر سيرته في هذا العالم ، فلما صمدت النفس لها حركت الطبيعة على تأليفها وتوزيع الحالات المختلفة فيها ، وأعطتها النفس بوساطة الطبيعة صورة خصتها بها ودبرت أخلاطها وهيأت مزاجها ، فظهر الانسان في الثاني بشكل غير الشكل الذي كان لأجزائه التي مردها في آخر البحث إلى الهيولى بالقول المجمل . والكلام في هذا ذو شعب وذوائب ، ثم إن الانسان في معارفه التي يترقى في درجاتها يجد لنفسه قنية ليست كسائر القنيات ، وهيئة ليست لجميع الهيئات ، أعنى الحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق ، فيجول طالبا لبقائها ، ناظرا وباحثا عن حقيقة ذلك ، حائرا إلى أن يبلغ بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل ، إلى الحد الذي يفصح له بأن النفس ليست تابعة للمزاج ، ولا حادثة بالأخلاط ؛ بل هي مستتبعة للمزاج ومقومة للأخلاط بوكالة الطبيعة التي هي ظل من ظلالها ، وقوة من قواها ، وأن النفس ليس لها استعانة بالبدن ولا بشيء منه ، وأنها خالصة لا شوب فيها ، وقائمة بجوهرها ، غنية بنفسها عما يفسدها ويحللها ويتخونها ويؤثر فيها ، وكيف يكون ذلك وهي لا تنفعل البتة ، ولا رداءة فيها البتة ؟ فبهذا وأشباهه ينفتح للانسان أن النفس يمكن أن تطلب علم حالها بعد مفارقة البدن بالأمر الطبيعي ، والسبب الضروري ، فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثا عن عدم مطلق ، بل هو بحث عن أحوال منزلة مشهودة ، مرتبة محدودة ، بل هو بحث عما يتصور غايته ويطمأن إليه ، تارة بالبرهان المنطقي ، وتارة بالدليل العقلي ، وتارة بالايماء الحسى ، والأمر الإلهى .